تواطؤ ومصالح مشتركة بين العبادي وبارازاني على حساب فقراء الكرد       التعديل الجديد للعفو العام يشمل المدراء العامين المزورين والارهابيين الدواعش       العبادي يبعد الحشد عن ( تلعفر) واميركا تعيد داعش الى الانبار       قرار منع السياسيين من حضور مؤتمرات خارجية من دون علم الحكومة شكلي ولا اثر له       مكتب رئيس المفوضية العليا للانتخابات يتحول الى حلبة ملاكمة عنيفة        الجيوش الالكترونية للاحزاب تشيع فوضى الاكاذيب والشائعات وتستنزف اموال الشعب       بسبب الفساد: فقدان 8 مليارات دولار سنويا في ميناء ام قصر       مدير عام يهدر ملياري دولار على منافعه وحاشيته وسفرات وعقارات       الفساد يعرقل اعمال شركة اجنبية لتطوير الطاقة الكهربائية       ضياع ملياري دينار في عمليات فساد تجديد اجازات المدارس الا هلية
التفاصيل
2010-04-10 01:00:00
البدع الكردية بدعة كردستان نموذجا-القسم الثامن
 

صناعة الاسطورة والتجييش الاجتماعي

آيدن آقصو

 

ان مبدأ صناعة الأساطير التاريخية الكردية هو جزء من عملية تجييش اجتماعية هدفها التغيير وانتاج حركات تغيير تستولد أساطير بديلة تهدف الى زعزعة حالة الاستقرار هذه وتبرر للانقلاب على النسق وللتمرد عليه.
واذا كانت الحركات الدينية والحركات القومية تتميز بغزارة انتاجها للأساطير التاريخية المؤسسة حيث انها تحتاجها أكثر من غيرها لبناء شرعية أخلاقية ما أو شرعية مطلبية. فالحركات الدينية تبحث دوما عن قدسية مفقودة تريد أن تسقطها على رموزها وقادتها وطبعا على عقيدتها ذاتها ولذلك تحاول دائما اختلاق معجزات سواء مباشرة أو غير مباشرة. كما تحاول دائما اجتناب الوعي التاريخي النقدي واستبداله بتاريخ أسطوري ملفق يأخذ طابعا تبريريا في مواضع الخطأ والصراعات الداخلية وطابعا تضخيميا مبالغا في مواضع النجاح والانجازات. وكذلك تقوم الحركات القومية بتلفيق تاريخي مستمر هدفه خلق أسطورة أمة نبيلة مميزة وعادلة من الأخيار لا تعتدي بل تدافع عن نفسها ولا تظلم بل تعدل. ويتضاعف الانتاج الأسطوري وينشط العمل التزويري كلما ضعف المنتج القومي الذي يتم الترويج له لان من يحتاج الى بناء أساطير مكونة للهوية هم أولئك الذين يريدون الانسلاخ عن الحقيقة التاريخية من أجل ذلك الى بناء وعي تاريخي بديل يؤسس لهوية بديلة وهذا هو عين مايبحث عنه مؤسسو ومشتغلو صناعة الاساطير الكردية الان وخلال القرنين الماضيين بشكل ادق تخصيصا وهم بذلك يمارسون ابشع عملية اغتصاب للتاريخ من أجل أن يغتصب الحاضر والمستقبل.
وهنا سنتوقف عند بعض الاساطير التي سوقتها العقلية الكردية المسيسة شوفينيا:
روج المؤرخون الاكراد المبرمجون لاغراض عنصرية شوفينية محضة لاسطورة مؤداها ان ابا الانبياء ابراهيم عليه السلام كردي مما يعني ان الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم كردي ايضا بحكم الصلة النسبية بين الاثنين. ومثل هذا التهافت المنطوي على كفر وتجديف بالنص القرآني الالهي يستوجب تفنيده والوقوف ضد لما يهدف اليه من تدمير للذاكرة الاسلامية الرصينة بدءا وتشويه وجه الاسلام وجوهره انتهاء.
وللوقوف على لب صناعة هذا الاسطورة سنتتبع سيرة النبي ابراهيم في مصدريها التوراتي والقرآني فيروي المصدر التوراتي ان اسمه أَبْرام، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ. (العهد القديم، سفر أََََخْبَارِِِ الأَيَّامِ الأَوَّلُ، الآية 24 - 27). وكانت اسرته تسكن مدينة (أُور الكَلْدانيين) في بلاد الرافدين (ما بين النهرين)، وفي أُور تزوّج أَبْرام ساراي، وكانت ساراي عاقراً. وتوفّي هاران أخو أَبْرام في أُور الكَلدانيين، وبقي ابنه لُوط يتيماً في رعاية جده تارَح ثم رحل تارَح، ومعه ابنه أبرام وكنّته ساراي وحفيده لوط، من أُور الكَلدانيين، وتوجّه إلى حاران (حَرّان الحالية في شمال غربي بلاد الكرد/جنوب غربي تركيا)، ومات تارح في حاران.وحينما صار عمر أَبْرام (75) سنة، أصدر الربّ الأمر إليه بالهجرة من حاران إلى أرض كنعان جنوباً (فلسطين بعدئذ): " وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 1 - 3). ونفّذ أَبْرام أمر الربّ، ورحل ومعه زوجته ساراي وابن أخيه لُوط، وأخذوا معهم عبيدهم ومقتنياتهم، وتوجّهوا جميعاً نحو الجنوب إلى أرض كنعان، وسكنوا مكاناً اسمه (شَكِيم) في شمالي فلسطين الحالية، " وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 6 - 7) وظل أَبْرام يرتحل مع أسرته جنوباً على مراحل، حتى وصل إلى (بَيْت إيل) في شمالي أُورْشَلِيم (القُدس بعدئذ)، وحيثما كان يحلّ كان يبني مذبحاً للرب (مكاناً للعبادة وتقديم الأضاحي للرب).ولما حدثت مجاعة في أرض كنعان، توجّه أَبْرام بأسرته جنوباً نحو مصر، ومعه ابن أخيه لُوط وقُبيل دخول مصر طلب أَبْرام من زوجته ساراي أن تزعم أمام الموظفين المصريين على الحدود أنها أخت أبرام، والسبب أن أبرام خاف أن يطمع المصريون فيها لجمالها الفتّان، ويقتلوه كي ينفردوا بها ونفّذت ساراي طلب أبرام، ولما شاهدها كبار الموظفين المصريين دهشوا لجمالها، وأخبروا فرعون مصر بذلك، فأمر بنقلها إلى قصره، ويُفهم من السياق أنه اتخذها زوجة له، وأنعم على أَبرام بكثير من المال " وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 15). لكن الربّ سرعان ما أنزل النكبات بفرعون وبيته، واكتشف فرعون حقيقة ساراي، فدعا أبرام، وعاتبه على إخفاء الحقيقة عنه، وتوريطه في اتخاذ ساراي زوجة، وردّ فرعون ساراي إلى أبرام، وطلب منه الرحيل عن مصر بكل ما له من أموال، وأمر رجاله بتأمين الحماية للأسرة في رحلة الخروج من مصر.وعاد أبرام بأسرته ومعه ابن أخيه لوط إلى جنوبي أرض كَنْعان (فلسطين)، وكان قد صار من كبار الأغنياء بالمواشي والعبيد والفضة والذهب، وظل يصعد شمالاً، حتى وصل إلى بيت إيل، حيث كان قد نصب خيمته وأقام المذبح، في بداية دخوله أرض كنعان من الشمال، قادماً من حاران وكثرت مواشي أَبْرام ولُوط، وتقاتل رعاتهما على المراعي وموراد المياه، فرأى أبرام من المصلحة أن يفترقا، ورحل لوط بقطعانه، واستقر في أرض (سَدُوم)، شرقي نهر الأُرْدُنّ، وكانت في الأزمنة السابقة خصبة وعامرة كمصر، لكنها كانت قد صارت خراباً بعدئذ، وكان أهلها أشراراً.وبعد أن تخلّص أبرام من لوط ورعاته، بقي في أرض كنعان الخصبة، ظهر له الربّ، وقال له: " ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 13، الآية 14 - 16).ونقل أبرام خيامه، وأقام عند (بَلُّوطات مَمْرا) القريبة من مدينة (حَبْرون)، وتقع حبرون جنوبي أورشليم (القدس بعدئذ)، وغربي (بحر الملح) الذي سُمّي بعدئذ (البحر الميّت)، وبنى هناك مذبحاً للرب، وهناك عقد حلفاً مع ثلاثة زعماء، هم مَمْرا الأَمُوري وأخواه أَشْكُول وعانِر.وحدث أن نشبت حرب إقليمية في غربي آسيا بين حلفين: تألّف الحلف الأول من أربعة ملوك، هم ملك شِنْعار (أرض الكلدانيين/ما بين النهرين)، وملك عِيلام (إيلام)، وملك أَلاَّسار (غير معروف الموقع)، وملك جُويِيم (في أرض كنعان شرقي مدينة يافا الحالية)، وكان ملك عِيلام هو الأقوى. وتألّف الحلف الثاني من خمسة ملوك، هم ملك سَدُوم، وملك عَمُورَة، وملك أَدْمَة، وملك صَبُويِيم، وملك صُوغَر ويبدو أن الصراعات بين المكوّنات السياسية في أرض كنعان (فلسطين) كانت سبب المعركة، ونجد أن ملك جوييم الكنعاني، متحالفاً مع الملوك الثلاثة القادمين من بلاد الرافدين وعيلام. ولا ننسى رغبة ملوك بلاد الرافدين في الوصول إلى الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، حيث تلتقي عند موانئها فروع الطريقين التجاريين العالميين: طريق البخور والتوابل القادم من بلاد اليمن جنوباً، وطريق الحرير القادم من آريانا وبلاد الرافدين شرقاً وجرت المعركة قرب عَمْق السِّدِيم (بحر الملح= البحر الميّت)، وخسر الحلف الغربي الحرب، وسيطر الحلف الشرقي على المنطقة الممتدة من جنوبي سوريا حالياً إلى جبل سَعِير وبرية فاران (أرض العمالقة في شمالي صحراء سَيناء).  وهذا يعني ضمناً أن الحلف الشرقي عبر ممالك الآراميين في سوريا، إما بالقوة وإما بالتحالف وبما أن لوطًا كان في أرض سَدُوم فقد وقع هو وجميع أفراد أسرته في أسر ملوك الحلف الشرقي، وسلبوه كل أمواله وممتلكاته وعندما سمع أبرام بما حدث لابن أخيه لوط، قام مع حلفائه (مَمْرا وأَشْكُول وعانِر) بهجوم مضاد، وطارد المنتصرين حتى شمالي دِمَشْق، وحرّر لوطاً والنساء، واسترجع الممتلكات، وكانت تحت قيادته (318) مقاتلاً وهذا يعني أن أبرام تحوّل من مهاجر في أرض غريبة إلى زعيم كبير يعقد التحالفات، ويقود المعارك ضد ملوك أقوياء، والأرجح أن الأموال الكثيرة التي رجع بها من مصر ساعدته على تشكيل قوة مقاتلة من المرتزقة الأرقّاء، وعقد التحالفات؛ وبتعبير آخر: إن قوته الاقتصادية تحوّلت إلى قوة سياسية وقوة عسكرية وبعد تحقيق النصر على الحلف الشرقي ارتفعت مكانة أبرام في أرض كنعان، ولما عاد من معركته الظافرة خرج ملك سَدُوم لاستقباله، واحتفى به مَلْكِي صادِق  مَلِك شالِيم، ونسب نصر أبرام إلى تأييد الله مالك السماوات والأرض، ودفع أبرام العُشر مما غنمه إلى ملْكي صادق، وباركه مَلْكي صادق قائلا:" مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمُبَارَكٌ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ ".(العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 14، الآية 19 - 20) وكلما كانت قوة أبرام الاقتصادية والسياسية والعسكرية تنمو كان الرَّبّ يمنحه أرضاً أوسع. لكن ظلّت مشكلة أخرى تقلق بال أبرام؛ إنها افتقاره إلى ذُرّية له ترث أملاكه. وسرعان ما بدّد الربّ قلقه، ووعده بأنه سيرزقه ابناً يرثه.
وجاء الفرج على يدي ساراي، فبعد عشر سنوات من عودة أبرام بأسرته من مصر، أهدت ساراي إليه جاريتها المصرية هاجَر، وسمح له بالزواج منها، ولمّا حَبِلت هاجر صارت تفتخر وتستعلي على سيّدتها ساراي، فغضبت ساراي، وعاتبت أبرام، فردّ أبرام لها جاريتها هاجر لتفعل بها ما تشاء، فأذلّتها ساراي، ولم تر هاجَر بدّاً من الهرب جنوباً نحو شمالي صحراء سِيناء. لكن الربّ لم يترك هاجَر وحيدة، فأرسل أحد ملائكته للبحث عنها، وعلى عين ماء، في طريق شُور (غربي ووسط سيناء)، وجدها مَلاك الرب هاجر، وطلب منها أن تعود إلى سيّدتها ساراي، وتقبل بالخضوع لها، وتنبّأ لها بأنها ستلد ذكراً يكون اسمه (إسماعيل)، باعتبار أن الله سمع مَذَلَّتها، وسيكون إسمعيل بدوياً، " وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ "، ويكون كثير النسل. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 16، الآية 12).ثم عادت هاجر، وولدت إسماعيل، وكان عمر أبرام حينذاك (86) سنة.
وحينما بلغ أبرام من العمر (99) سنة ظهر له الربّ أيضاً، وقال له: "أَمَّا أَنَا فَهُوَ ذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 17، الآية 4 - 8).وهذا يعني ان  بأمر من الربّ تغيّر اسم (أَبْرام) الى (إبْراهِيم)، باعتبار أنه سيكون أباً لكثير من الأمم، وكي يتأكد الله من إخلاص إبراهيم ونسله له، أمره بممارسة طقس خِتان الذكور، فكل من لا يَخْتَتِن من نسل إبراهيم يكون قد نكث بعهد الله، وخُتِن إبراهيم وكان عمره (99) سنة وخُتِن ابنه سماعيل وجميع غلمانه. ولم يكن كافياً أن يطرأ التحول على اسم (أبرام)، بل أمر الله إبراهيم أن يسمّي زوجته ساراي باسم جديد هو (سارَة)، ووعد بأن يكون لها ولد اسمه إسحاق، ويكون منه ملوك وأمم، رغم أن سارة كانت قد بلغت من العمر (90) سنة، وكانت عادتها قد انقطعت، وكان إبراهيم قد بلغ من العمر (100) سنة.
واتجه إبراهيم بأسرته نحو الغرب، واستقر في المنطقة التابعة لمملكة  (جَرار) قرب البحر الأبيض المتوسط (كانت مدينة جَرار تقع جنوبي مدينة غزّة الحالية)، وبسبب جمال سارة (رغم بلوغها التسعين!)، وخوفاً على نفسه، زعم إبراهيم مرة أخرى أن سارة هي أخته، فأخذ (أَبِيمالِك) مَلِك جَرار سارَة، وفي الليل، وقبل أن يتزوّج أبيمالك منها، جاءه الله في الحُلم، وأخبره بأن سارة هي زوجة إبراهيم، وأمره بأن يردّها إلى زوجها، وإلا فإن مصيره الموت.
ومع الصباح استقدم أَبِيمالك إبراهيم، واعتذر له، وعاتبه على إخفاء حقيقة سارة عنه، وهنا اعترف بالحقيقة، " فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي. وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً. وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 20، الآية 11 - 13). وإذا علمنا الآن أن ساراي (سارة) كانت أخت أبرام (إبراهيم) من أبيه لا من أمه نفهم أن الشريعة التي كان تارَح عليها، وشبّ عليها إبراهيم، كانت تبيح زواج الأخ من أخته غير الشقيقة؛ ويعني أيضاً أن إبراهيم بقي متمسكاً بتلك الشريعة، ولم يطلّق زوجته (أخته) ساراي.
ويبدو أن بفضل جمال سارة كان بضاعة رائجة، عاد من عند فرعون مصر بقطعان من الماشية وبكثير من العبيد والفضة والذهب، وها هو ذا أبيمالِك يرضيه أيضاً، ويمنحه كثيراً من الأموال، والفرق أن فرعون منحه الأموال وطلب منه الخروج من مصر، أما أبيمالك فمنحه الأموال، وسمح له بالإقامة في أية منطقة يختارها من مملكة جَرار: "فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: هُوَ ذَا أَرْضِي قُدَّامَكَ. اسْكُنْ فِي مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 20، الآية 14 - 15). وكافأ الربّ أبيمالك، بأن شفاه، وشفى امرأته وجواريه من العُقم، فولدن.
واهتم الربّ بأمر سارة، وحقق لها الوعد، فحَبِلت، وولدت لإبراهيم ابناً اسمه إسحاق، وكان إبراهيم ابن مئة سنة حينذاك. وكبر الأخوان إسماعيل وإسحاق، وكانت سارة قد اتخذت قراراً بأن يكون ابنها هو الوريث الوحيد لإبراهيم، ويبدو أن إبراهيم كان كثير الحيوية والنشاط، وذات يوم شاهدته سارة يمزح، فطلبت من إبراهيم طرد الجارية هاجر وابنها، كي لا يرث مع إسحاق، وصعب الأمر على إبراهيم، لكن سرعان ما تدخّل (الله) في القضية، وكان إلى جانب سارة؛ إذ أمر إبراهيمَ بتنفيذ طلب سارة، " لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 21، الآية 12 - 13). وفي الصباح بكّر إبراهيم، وزوّد هاجر بخبز وقِربة ماء، وأمرها بالانصراف مع الولد، ولم يعطها دابة للركوب. فسارت هاجر مع ابنها إسماعيل وتاهت في برية (بئر سَبْع) الواقعة جنوبي فلسطين الحالية، على التخوم الشمالية من صحراء سِيناء، وفرغت القربة من الماء، فوضعت إسماعيل تحت شجرة، وجلست على مسافة منه، كي لا تشاهده وهو يعاني آلام الموت عطشاً، وهناك بكت رافعة صوتها. وسمع الله صوت الغلام، فأرسل أحد ملائكته لإنقاذ هاجر والغلام، وطلب الملاك منها أن تتشجّع ولا تخاف، وأن تحمل الغلام وتمضي في البرية، وطمأنها بأن ابنها لن يموت، بل سيكون جداً لأمة عظيمة. ونفّذت هاجر نصيحة الملاك، وأبصرت بئر ماء، فملأت القِربة، وسقت الغلام، ومع الأيام كبر إسماعيل، وبرع في الرماية بالقوس، وسكن في بريّة فاران (شمالي صحراء سيناء)، وزوّجته أمه فتاةً من أرض مصر.
ثم  اراد الله امتحان إبراهيم، فأمره بأن يذبح ابنه إسحاق، ويقدّمه ضحية على مُحْرَقة في قمة جبل عيّنه له، فأخذ إبراهيم ابنه، واصطحب معه اثنين من خدمه، وحماراً لحمل الحطب، ولما اقتربوا من الجبل، أمر الخادمين بالبقاء مع الحمار، وأمر ابنَه بحمل الحطب، وصعدا الجبل، وفي الطريق سأل إسحاق والده، " فَقَالَ: هُوَ ذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 22، الآية 8). ووصل إبراهيم مع إسحاق إلى قمّة الجبل، وذهب إلى المكان الذي حدّده له الله، وبنى مَذْبَحاً، ورتّب عليه الحطب، وربط إسحاق، ووضعه على المذبح فوق الحطب، وأخرج السكّين ليذبح إسحاق، وفجأة ناداه (مَلاك الربّ)، وطلب منه ألاّ يذبح إسحاق، وقدّم له كبشاً، فذبح إبراهيم الكبش بدلاً من ابنه. وهنا بارك الربّ إبراهيم، لأنه برهن على إخلاصه، ووعده بأن يكون نسله كثير العدد، وأن يكون منتصراً على جميع أعدائه. وعاد إبراهيم بابنه إسحاق، وسكن عند (بئر سَبْع)، وقد سُمّيت هكذا لأن إبراهيم كان قد اشترى البئر من أَبِيمالك بسبع نِعاج. لم يكن إبراهيم دائم الإقامة في مقرّه الصحراوي (بئر سبع)، حيث ترتع قطعانه، وإنما كان يتردّد بين حين وآخر على موطنه القديم في بلّوطات مَمْرا، قرب حَبْرُون في أرض كنعان شمالاً، وهناك توفّيت زوجته سارة، وكانت قد بلغت من العمر (127) سنة. وبكى إبراهيم على الفقيدة سارة ونَدَبها، ثم قام " وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلاً: أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 3- 4). وهكذا نجد فجأة أن قوماً من الحِثّيين كانوا يقيمون في حَبْرون، في وسط أرض كنعان (فلسطين الحالية). وهذا مؤشّر ثانٍ مهمّ، يلقي الضوء على توزّع شعوب غربي آسيا القدماء، وينبغي أن نأخذه في الحسبان مستقبلاً. والمفاجأة هنا أن إبراهيم ما كان يملك قطعة أرض في منطقة حَبْرُون، والأرجح أنه كان يُعامَل معاملة المهاجِر فقط، وهنا ظهرت شهامة بني حِثٍّ ومروءتهم، فقد أباحوا لإبراهيم أن يدفن جثمان زوجته في أيّ قبر شاء من قبورهم. لكن إبراهيم رفض ذلك، " فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي، فَاسْمَعُونِي وَالْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ أَنْ يُعْطِيَنِي مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ، الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِل يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 7- 9).وكان عِفْرُون جالساً في المجلس، ولم يكن أقلّ شهامة بني قومه، وقال لإبراهيم على مَشهد من الجميع: " لاَ يَا سَيِّدِي، اسْمَعْنِي. اَلْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ، وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لَكَ وَهَبْتُهَا. لَدَى عُيُونِ بَنِي شَعْبِي وَهَبْتُكَ إِيَّاهَا. ادْفِنْ مَيْتَكَ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 7- 9). لكن إبراهيم أراد أن يمتلك الأرض، فألحّ على عِفْرون أن يبيعه الحقل والمغارة، فلم يرّ عِفْرُون بُدّاً من تلبية طلبه، فباعه الحقل والمغارة بأربعمئة شاقِل فضة، ودفن إبراهيم سارة في المغارة، " فَوَجَبَ الْحَقْلُ وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لإِبْرَاهِيمَ مُلْكَ قَبْرٍ مِنْ عِنْدِ بَنِي حِثَّ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 20).
وقبل وفاة سارة كان إبراهيم قد علِم أن أخاه ناحُور الذي بقي في أُور الكَلدانيين، قد رُزق بعدد من الأبناء والبنات من زوجته مِلْكَةَ ومن جاريته رَؤُومَةَ، ولمّا شاخ إبراهيم قال لكبير عبيده، والذي كان يتولّى جميع شؤون بيته: " ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي، فَأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي إِسْحَاقَ ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 24، الآية 2 - 4).