تواطؤ ومصالح مشتركة بين العبادي وبارازاني على حساب فقراء الكرد       التعديل الجديد للعفو العام يشمل المدراء العامين المزورين والارهابيين الدواعش       العبادي يبعد الحشد عن ( تلعفر) واميركا تعيد داعش الى الانبار       قرار منع السياسيين من حضور مؤتمرات خارجية من دون علم الحكومة شكلي ولا اثر له       مكتب رئيس المفوضية العليا للانتخابات يتحول الى حلبة ملاكمة عنيفة        الجيوش الالكترونية للاحزاب تشيع فوضى الاكاذيب والشائعات وتستنزف اموال الشعب       بسبب الفساد: فقدان 8 مليارات دولار سنويا في ميناء ام قصر       مدير عام يهدر ملياري دولار على منافعه وحاشيته وسفرات وعقارات       الفساد يعرقل اعمال شركة اجنبية لتطوير الطاقة الكهربائية       ضياع ملياري دينار في عمليات فساد تجديد اجازات المدارس الا هلية
التفاصيل
2010-03-31 01:00:00
البدع الكردية-القسم الاول

 آيدن آقصو

القسم الاول


تقديم

اذا كانت عملية انتاج المدونة التاريخية في ازمنة لاحقة على زمن وقوعها تتشاكل منطقيا مع مستويين رئيسيين هما : مستوى تلقي المفردة التاريخية ومستوى اعادة انتاجها، وهذان المستويان يتواشجان عضويا مع المناهل الفلسفية والادوات الذاتية ورصانة الجدل الايجابي التحليلي المنتج لا الجدل السلبي المستهلك ، فان اخراج التاريخ من أوعيته الماضوية تحتاج في المقام الاول عند المتصدي حضور وعي التاريخ ، ووعي مثل هذا لن يتأسس الا على قاعدة حل لغز التاريخ من خلال فحص الوجود التطوري الارتقائي في التاريخ البشري القائم على عملية واحدة انسانيا تحول فيها النشاط الانساني من دورق حضاري الى دورق اخر بحتمية سببية أو تعاقب سببي بين نشوء النمط الاقتصادي والاجتماعي ونتائجه ، واتخذت انماطا عدة من تطور ارتقائي تدريجي وتطور قطعي وتطور خطي تراكمي صاعد باتجاه واحد او تطور دوري ارتدادي.
واذا كانت عملية اعادة انتاج التاريخ على هذا القدر من التعقيد المنهجي، فان عملية محاكمة التاريخ تبدو اكثر تعقيدا ذلك انها تحتوي وعيه اولا ووعي اعادة انتاجه ثانيا، واخضاعهما لادوات المحاكمة التي تختلف من مجتهد في هذا الى اخر.
واحسب ان الباحث المجتهد الدكتور ايدن اقصو قد ذهب في كتابه هذا الى اسخن مفردات التاريخ العراقي واكثرها شدا براهننا القائم، متسلحا بوعي مدبب بالتاريخ معتمدا معرفية شمولية حاذقة انتهلت لها من مظان التاريخ بوصفيه الوقائعي الماضوي والمنتج التداولي المسيس ، ومن الاشتغالات المنهجية للضالعين في تفسير التاريخ، بأوعيته الحقيقية لا اوعيته الزائفة، زوادات غاية في الغنى ، مكنته من رد المكائد التاريخية الى نحور واضعيها. وما كان للصديق العزيز ان يبلغ هذا المبلغ من الرصانة في الفحص والتمحيص والقدر الصبور على المحاججة لولا ايمانه بانه شاهد عصر تحتم عليه رسالته الانسانية قبل الوطنية والقومية، ان يزيح القذى عن عيون التاريخ التي اراد البعض وضعها للتعمية والتضليل لدواع ليست تاريخية بالمرة.
واذ ابارك للدكتور الفاضل ايدن اقصو هذا الانجاز الذي سيكون اضافة نوعية متقدمة في مضمار محاكمات الزائف من التاريخ، واحيي بحرارة احاطته الواسعة في ميدان بحثه، ورصانة منهجه، احسب ان القارئ سيجد فيه زادا تاريخيا معرفيا مهما لا غنى له عنه في رؤية شمس التاريخ الحقيقي وقد ازيج عن وجهها ماعلق بها من غبار زائف ظن واضعوه ان شمس الحقيقة التاريخية يحجبها غربال التزييف.

عبدالرضا الحميد
رئيس تحرير جريدة العربية

مدخل

تنطوي تعاطيات التلامذة السيئين والمؤرخين المبرمجين لاغراض ليست تاريخية محضة، مع التاريخ على سلسلة معقدة من الالتباسات الخطيرة التي تضع تواريخ الامم وحقائق الماضي في سلال الاهواء والاغراض السياسية والعقائدية الوضعية مما يرمي بحقائق الاحداث والواقعات الى هاويات التزييف والاعدام العمد لماض يشكل واحدة من الدالات الاساسية والمفاتيح المركزية للتعرف على هويات الشعوب والامم. ولعل خطورة هذا المنحى تتجلى في عدمية استرجاع الماضي زمنا واحداثا ووقائع ومجريات وتسلسلا وشخوصا   ذلك ان الزمن مفهوم شديد التعقيد، يخلق العديد من الالتباسات والإشكاليات  لأنه ببساطة  ليس شيئا ملموسا، فرغم أن التلميذ السيئ والمؤرخ المبرمج يتعامل بصفة دائمة مع  الزمن الماضي، إلا أنه لا يدرك قطعا كنهه ومراحل تسلسل الوقائع التاريخية خلاله، وهذا لا يمثل سوى مشكلة واحدة ضمن مشاكل أخرى تعترض التدوين التاريخي الحقيقي الذي يعلمن الزمن التاريخي، دون أن يتنبه أحيانا إلى أن الزمن ليس في الحقيقة سوى نتاج لعملية بناء، وأن الإشكالية المطروحة هي وحدها الكفيلة بتحديد معالم هذا الزمن.
إن الخطأ الكارثي الذي قد يقع فيه التلامذة السيئون والمؤرخون المبرمجون هو الاعتقاد أن بإمكانه استحضار الماضي كما تهيئه لهم نفوسهم وايديولوجياتهم ورغائبهم  وليس كما جرى في وعائه الحدثي دون أن يعوا أن ما يقومون به  ما هو في الحقيقة تشكيل ذلك الماضي على خلفية أسئلة الحاضر وهي اسئلة غالبا ماتفتقد الى الموضوعية والرصانة وتترجح فيها كفات المؤدلج الراهن او المطلوب المعاصر على حقيقة التاريخ وواقعاته، يقول البروفيسور أوكشوت "التاريخ هو تجربة المؤرخ، إنه ليس من صنع أحد سوى المؤرخ، وكتابة التاريخ هي الطريقة الوحيدة لصنعه"(1)، فالتاريخ لا وجود له إلا في ذهن المؤرخ، فالماضي زال وانقضى، وأخباره الموجودة في الكتب هي من صنع المؤرخ وحده، أي أنه يستحيل إدراك الماضي كما كان بكل تفاصيله وحيثياته، لكن كما نتوهم أنه كان (2)، ومن هذا نرى ان خطورة التلامذة السيئين والمؤرخين المبرمجين اشد من خطورة المؤرخين المعاصرين لاحداث التاريخ لأن الحقيقة التي حدثت في الزمن السابق لن تتكرر أبدا، وبالتالي فانه اذا كان المؤرخ المعاصر للحدث التاريخي يقوم بإعادة بناء الحدث من زاويته الخاصة به التي عاش وفسر بها الواقعة التاريخية، فان المؤرخ المبرمج الذي يسعى لاعادة كتابة التاريخ تحت مؤثراته الايديولجية والعقائدية والاقتصادية يمسخ الحقائق التاريخية ويلقيها في جب الادلجة الضيقة والتشويه والاعدام العمدي واذا كانت الحقائق التاريخية لاتصلنا كاملة، وتختلف الرواية السردية من مؤرخ لآخر، لأنها تعتمد على القاعدة التالية : (اجمع وقائعك أولا ثم قم بتحليلها، وأقحم نفسك في خطر رمال التأويل والتفسير) (3)، عند المؤرخ المعاصر للحدث التاريخي فانها عند المؤرخ المبرمج (انتخب وقائعك وانتخب منها ماتريد ونح عنها ما لاتريد واكتب ماشئت وفسر ماشئت وابن على ماكتبت وفسرت ماشئت) . ان محاولات المؤرخين المبرمجين ومنهم بعض المؤرخين والكتبة الاكراد المعاصرين اشبه ماتكون باعادة مباراة لكرة القدم بين فريقين قبل عدة الاف من السنين وقلب نتيجتها بجعل الخاسر فائزا والفائز خاسرا دون وعي حقيقة  إن التاريخ مرتبط  بشكل كبير وأساسي بالزمن ؛ لأن ميدان التاريخ الأساسي هو الحياة  في امتدادها الزمني على الأرض (4).
واذا كانت قد اختلفت تصورات المؤرخين ونظرتهم للزمن التاريخي، وتعددت نظرياتهم في ما يتعلق بتقديم وجهة نظر عن مسار هذا الزمن ككل ، وأشهرها القول بتحقيق إرادة الله كما هو عند القديس المسيحي اوغسطينوس، أو التطور نحو المجتمع الحر كما هو عند فريديريك هيغل، أو تحقيق مجتمع اللاطبقات كما هو عند كارل ماركس، أو الدورة الحضارية كما هو عند عبد الرحمن بن خلدون، وباتيستا فيكو، واوزفالد اشبنجلر، وأرنولد توينبي، وغيرها من النظريات الأخرى ، فان مثل هذه الرؤى تعرضت ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي إلى انتقادات كبرى نتيجة التحولات التي أفرزتها النهضة الأوربية ، فقد شهدت هذه الفترة صراعا مريرا بين الكنيسة الكاثوليكية وبين قادة الفكر أنصار الحركة الإنسية، الذين عارضوا التصور الكنسي المسيحي الضيق للتاريخ،
وفي مرحلة عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر الميلادي بدا الاهتمام أكثر بالتاريخ، واعتبر مظهرا من مظاهر الاهتمام بالإنسان، وتمجيد العقل ، وتمت معارضة الفكرة المسيحية في التاريخ بشكل نهائي (5)، وبدأت فكرة الدفاع عن قوانين التاريخ.
وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن البدايات الأولى لهذا التفكير تعود إلى العالم الإسلامي ، ففي مقدمة المؤرخين الذين اتجهوا إلى تفسير التاريخ لأول مرة المؤرخ  الكبير عبد الرحمن بن خلدون الذي تجاوز أخبار الأيام والدول ليستشف حقيقتها ويكشف عن أسبابها والقوانين التي تحكمها (6)، وقد وصل ابن خلدون إلى الاقتناع بفكرة التعاقب الدوري على السلطة.
وفي أوربا يعتبر هيغل أول من تعمق في فلسفة التاريخ، وتوصل إلى أن المنطق التاريخي يستند في أساسه إلى صراع الأضداد، وأن العقل هو الذي يحكم التاريخ (7) وعلى أساس هذه النظرية الجدلية بنت الماركسية مذهبها بعد أن ألبست هذا الجدل ثوبا ماديا صرفا (8) ، فجعلت العامل الاقتصادي هو العامل الأول في تفسير التطور والتغيير لدى المجتمعات، وأهملت باقي العوامل الأخرى، وادعت أن الزمن التاريخي ليس في النهاية سوى صراع طبقات، تفوز فيه الطبقة المنسجمة مع وسائل الإنتاج، وسيظل هذا الصراع قائما إلى أن تفوز طبقة العمال، وعندها سيتحول المجتمع نحو المرحلة الأخيرة ، وسينتقل إلى الشيوعية حيث تنعدم الطبقات.
ثم انتشرت في أوروبا نظرية لا تقل أهمية عن النظريتين السابقتين وهي نظرية التقدم التي أكدت أن الصفة الغالبة على سير الحضارة هي التقدم لا التدهور، وأن الحياة تسير بالضرورة نحو تحقيق مزيد من الرقي والازدهار، وذلك عبر مراحل معينة تختلف خصائصها من عالم لآخر، لكنها تتفق كلها في أن المرحلة اللاحقة فيها تكون أعلى من السابقة وأكثر منها رقيا وتقدما (9) ، والى أن ظهرت أفكار أوزفالد اشبنجلر(1880-1936) التي عبر عنها في كتابه (اضمحلال الغرب) حيث جعل لكل حضارة دورة، تبدأ بالنمو، فالشباب، فالشيخوخة التي يتبعها الفناء (10) وأكد أن التاريخ ليس تقدما للإنسانية دائما كما عبر فولتير، أو تقدما نحو سلام دائم كما توقع كانط ، أو حرية للروح كما ظن هيغل، أو نموا لمجتمع بلا طبقات وفقا لنظرية كارل ماركس.
وقد تنبأ اشبنجلر في كتابه السابق الذكر بأن الحضارة الغربية سائرة نحو السقوط والاضمحلال، إلا أن توينبي رفض هذه الحتمية المتشائمة عن نظرية التعاقب الدوري للحضارات لدى اشبنجلر، ورأى أن لعجلة التاريخ إيقاعا أساسيا يتمثل في التحدي والاستجابة والانسجام والعودة، ويرى أن موت الحضارات السابقة لم يكن قضاء مقدرا وإنما كان انتحارا (11).
لقد جعل هؤلاء المؤرخين للزمن التاريخي مسارات متعددة ، ودافع كلهم عن فكرة وجود مغزى ومعنى للتاريخ ، فكلهم أصحاب نظرة غائية، جعلوا للتاريخ قوانين وأسبابا تتحكم فيه وتوجهه وتصنع مستقبله، فهو لا يسير اعتباطا ولا صدفة، ومن ثم أولى هؤلاء جميعا الأهمية القصوى لمسألة تسلسل الأحداث والوقائع التاريخية، وجعلوا منها أساس بناء تصوراتهم للزمن وقد بقي هذا النمط التقليدي سائدا مع المدرسة المنهجية أو الوضعانية، إلى أن تصدت  رغبة المؤرخين الجدد  مع مدرسة الحوليات إلى تجاوز هذا المفهوم الضيق للزمن، وأعلنوا عن طموحهم الكبير لبلوغ تاريخ شمولي، يبحث في تاريخ المجتمعات  الكوني الكلي، وليس التاريخ السردي الحدثي السياسي  وحده، وقد كان من الأوائل  لوسيان فيفر، وهنري بيير،  وفيما بعد مارك بلوخ، وفرناند بروديل, بيد ان المؤرخين الاكراد المبرمجين نحوا وينحون منحى مغايرا لكل المدارس التاريخية المنهجية والغائية ويؤسسون لشرخ قائم على لي اعناق الحقائق التاريحية وصبها في دائرة الغائي السياسي ، فشخصانية التاريخ الكردي بالاعتماد على عناصر الوجود التاريخية المعروفة وهي الاثار والمدن والشواخص والمدونات في اوعيتها الماضوية زمنا وهوية وادوات ودالات، غير موجودة الا في المخيلة الراهنة للمؤرخين المبرمجين الاولاد النجباء للمدرسة السياسية الكردية المعاصرة بتمظهراتها الشوفينية والانفصالية والعدائية للاخر.
 لقد طرحت مناهج العلوم الاجتماعية تحديا أمام  المؤرخين ، فقد جهرت بقدرتها على  تحليل بنيات المجتمع دون الاعتماد على الزمن،  وقد تمكنت من طرح تصور جديد يقوم على أساس تعددية الأزمنة ، فهناك الزمن الطويل البطيء الإيقاع، وهو زمن شبه ثابت، يوافق تاريخ الإنسان في علاقته بوسطه ومحيطه، وقد جاء بروديل بأمثلة من خلال وصف الجبال والسهول والأنهار والعادات والثقافات والبحار والرياح والتيارات والجزر والمناخ والحدود.
وهناك الزمن الدوري أو زمن الظرفية، ويقابله تاريخ المدى المتوسط ، مثل التغيرات الدورية التـي تصيب الاقتصـاد، من هبوط وارتفاع الأسعار أو الإنتاج.
وأخيرا هناك الزمن القصير،  وهو زمن الحدث، ويرتبط بالتاريخ التقليدي السردي الفردي اليومي الشخصاني، وهو تاريخ سريع متقلب غالبا ما ينتهي إلى النسيان.
لكن يبدو ان المقاييس العلمية المنهجية قد غادرت اواني بعض المؤرخين المبرمجين وكتبة التاريخ الاكراد اذ عمدوا الى منافحة كل الاقيسة والمنهجيات واستدعاء المخيلة الضاجة بالغائي السياسي لتأسيس تاريخ لم يحوه زمن ماض او افتراض ماض لم تحوه اوعية حدثية حقيقية الامر الذي حول ما انجزوه الى  تهافتات وهرطقات لن تعمر طويلا.
مابين متني هذا الكتاب نحاول بتواضع ان نضع اصابعنا على جمر الزيف الذي اجترحه بعض الكتبة والمؤرخين المبرمجين الاكراد ممن نزعوا الى تشييد تاريخ على رمال من الوهم والغائيات السياسية، ونسأل الله ان يوفقنا في اجلاء الغبار عن وجه شمس الحقيقة