تواطؤ ومصالح مشتركة بين العبادي وبارازاني على حساب فقراء الكرد       التعديل الجديد للعفو العام يشمل المدراء العامين المزورين والارهابيين الدواعش       العبادي يبعد الحشد عن ( تلعفر) واميركا تعيد داعش الى الانبار       قرار منع السياسيين من حضور مؤتمرات خارجية من دون علم الحكومة شكلي ولا اثر له       مكتب رئيس المفوضية العليا للانتخابات يتحول الى حلبة ملاكمة عنيفة        الجيوش الالكترونية للاحزاب تشيع فوضى الاكاذيب والشائعات وتستنزف اموال الشعب       بسبب الفساد: فقدان 8 مليارات دولار سنويا في ميناء ام قصر       مدير عام يهدر ملياري دولار على منافعه وحاشيته وسفرات وعقارات       الفساد يعرقل اعمال شركة اجنبية لتطوير الطاقة الكهربائية       ضياع ملياري دينار في عمليات فساد تجديد اجازات المدارس الا هلية
التفاصيل
2014-03-21 08:10:00
علي الدندح
تيتانك ( الحلم الذي غرق )

أحلام البشر عبر الزمان كانت و ما تزال تحمل بين طياتها نزعة التحدي و نبرة العصيان لطبيعة و جغرافية المكان , لكن هيهات هيهات لتلك الأحلام أن يكون لها الغلبة على ما أتقنته صنعة الرحمن من ابداع في سماء بناها و أرض سواها .

فمن بين أضغاث الأحلام البشرية و لدت سفينة الركاب البريطانية (( تيتانك )) و التي قدرت لها تلك الأحلام أن تكون قاهرة المحيطات و البحار , تمخر عباب الماء دونما كلل أو ملل , فكيف يمل أو يكل من لا يعرف الغرق .

هذه السفينة أو لنقل المدينة العائمة , توافرت لها عوامل عديدة لتجعلها بحق أسطورة في عالم البحار , فقد تم تصميمها و بناؤها في ترسانة هارلاند وولف في مدينة بلفاست ليبلغ طولها 269 مترا , بينما تم تصميم قاعها ليكون قاعا مزدوجا مانعا لتسرب المياه و مقسما الى ستة عشر جزءا و لقد روعي في هذا التصميم أن تكون السفينة مقاومة للغرق حتى ولو امتلأ /على أسوأ الظروف / أربعة أجزاء من قاع السفينة , لتتمكن على الرغم من ذلك على الأبحار بسلام و بلا أدنى تأثير على سلامتها .

و عندما أكتمل بناء هيكل السفينة تم تدشينها الى حوض المياه العميقة بترسانة هارلاند وولف و ليتم تحقيق الجزء الاخر من الحلم بأن يكون تأثيثها فاخرا يوفر أقصى درجات الراحة و الرفاهية لركابها , و لقد استغرق هذا التأثيث حوالي عشرة أشهر روعي فيه استخدام أفخر أنواع الأثاث لتلبة جميع الأذواق و الرغبات , لهذا فقد تنوعت أنماط أثاثها بين نمط عصر النهضة الايطالي و النمط الالماني القديم و النمط الامبراطوري , بينما استوحيت زخرفات الدرجة الاولى من زخارف قصر فرساي .

و لقد روعي في تصميم ( التيتانك ) أيضا و جود أجنحة فاخرة خاصة بالاقامة على ظهر السفينة تتكون من حجرة للمعيشة و الاستقبال و حجرتين للنوم و حجرتين لتخزين الملابس و حمام و دورة مياه خاصة و ممشى ممتد أمام الجناح ليتمكن من خلاله قاطنيه من رؤية البحر و السير على ظهر السفينة بهدوء و سكينة .

كما راعى مصممو ( التيتانك ) و جود حمامات تركية و و أخرى كهربائية و صالة ألعاب رياضية و ملعب لممارسة رياضة الاسكواش , و لقد زودت السفينة بستة عشر قاربا خشبيا للأنقاذ أضافة الى اربعة قوارب مطاطية قابلة للطي مما يتيح قدرة أنقاذ لحوالي ( 1178 ) مسافرا , أي ما يعادل نصف عدد الركاب الذين يمكن أن تحملهم ( التيتانك ) و المقدر عددهم ب ( 3547 ) راكبا , كما زودت السفينة برفاص بخاري بحري عملاق ثلاثي المراوح بينما تم تحميل السفينة بحوالي ( 5892 ) طنا من الفحم لتشغيل محركات السفينة التي تستهلك ( 690 ) طنا من الفحم يوميا .

لكل ذلك لم يكن مستغربا أبدا أن يكتب توماس أندروز المدير الاداري في ترسانة هارلاند وولف الذي أشرف على تصميم و وضع جميع اللمسات الخاصة ببناء التيتانك قائلا : ان السفينة متقنة الصنعة كما أرادتها العقول البشرية أن تكون ) و لكن من العجائب أن يكون قائل هذه الكلمات أحد ضحايا السفينة .

بداية أم نهاية ؟!

بدأت رحلة التيتانك الاولى قاهرة الغرق كما صورتها أحلام البشر في منتصف نهار يوم الاربعاء 12/4/1912 / م , من مدينة سويز هامبتون في انكلترة في طريقها الى مدينة نيويورك الامريكية و على متنها ( 2200 ) راكب من بينهم عدد كبير من الشخصيات العامة و المهمة و العديد من رجال الأعمال الذين رأوا في عبور الاطلنطي على متن هذه السفينة رحلة امنة و نزهة جميلة .

بدأت الرحلة بقيادة الكابتن ( ادوارد . ج . سميث ) الذي كان يطلق عليه لقب كابتن المليونيرات و الذي يخطط للتقاعد عقب قيادته للسفينة أقصد المدينة العائمة , الا أن الاقدار لم تمهله , ففي حوالي الساعة الحادية عشرة و أربعون دقيقة من مساء يوم 14 / 4 / 1912 / م , و نظرا للسرعة العالية التي قدرت ب 21 عقدة بحرية في منطقة مليئة بجبال الثلج ارتطم قاع السفينة باحدى هذه الجبال العائمة مما أدى الى وقوع شروخ بقاع السفينة و دخول الماء الى خمس من أجزاء قاع السفينة الستة عشر لتنشق السفينة عقب ذلك الى جزأين و تغرق في مياه الأطلنطي في الساعة الثانية و عشرين دقيقة من صباح يوم 15 / 4 / 1912 / م .

و من المفارقات أنه بينما كانت التيتانك تعاني أهوال الغرقو اشارات الاستغاثة تنبعث منها كانت أقرب سفينة تبتعد عنها مسافة 32 كم , الا انه نظرا لعدم وجود عامل لاسلكي في نوبة عمل على ظهر تلك السفينة لم تتمكن السفينة من التقاط و سماع استغاثات التيتانك و تقديم العون لها و الذي كان من الممكن أن يسهم في تقليل حجم الخسائر حيث ان أقرب سفينة استمعت الى استغاثة التيتانك مانت السفينة ( كارباثيا ) التي وصلت الى موقع التيتانك في الساعة الرابعة من صباح يوم 15 / 4 / 1912 / م , أي بعد حوالي ساعتين من غرق التيتانك لتتمكن من التقاط حوالي  ( 705 ) من الناجين من ركاب التيتانك معظمهم من السيدات و الاطفال , بينما فقد في هذه الكارثة المروعة حوالي ( 1517 ) من ركاب السفينة بينهم كابتن السفينة ادوارد ج . سميث و العديد من المشاهير أمثال جون يعقوب أستور المليونير المشهور و وليم طوماس الصحفي البريطاني المشهور .

اختطاف على ظهر السفينة :

من بين الناجين أيضا من ركاب التيتانك كان هناك طفلان احدهما يدعى ميشيل و يبلغ من العمر ثلاث سنوات و الاخر يدعى أدموند و يبلغ من العمر عامان و قد كان هذان الطفلان بصحبة والدهما الذي سجل نفسه في سجلات السفينة بأسم م . هوفمان و عندما بدأت السفينة بالغرق فانه قام بتدثير الطفلين و مناولتهما لاحدى النساء الموجودات في قارب من قوارب النجاة و عندما وصلت هذه المرأة و تدعى الأنسة مارجريت هيوز الى مدينة نيويورك فانها اعتنت بالطفلين حتى تم لقاؤهما بوالدتهما مارسيل لافارتينل لتكشف الستار عن قصة اختطاف هذين الطفلين بواسطة والدهما ميشيل عقب طلاقها منه و سفره على متن التيتانك بالاسم المستعار م . هوفمان .

و في مقابلة اجريت عام 1998 / م مع الطفل ميشيل الذي كان قد أصبح عجوزا في عامه التاسع و الثمانين أستدعى من ذاكرته الأحداث الأليمة و كيف تم وضعه في سلة من القصب و رفعه الى سطح سفينة الانقاذ كارباتيا ليكتب له النجاة و العيش .

الدروس المستفادة من الكارثة :

لم تمر كارثة السفينة ( تيتانك ) مرور الكرام فقد كان الدور الذي أحدثته أكبر من أن يسدل عليه الستار و كما يقول المثل ( رب ضارة نافعة ) فقد عقد في عام 1913 / م في لندن مؤتمرا بعنوان ( سلامة الأرواح عند السفر بحرا ) تم فيه وضع قواعد للأمان كان من أهمها :

- و جوب وجود عامل لاسلكي في نوبة عمل 24 ساعة + و جوب توفير قوارب انقاذ تكفي لجميع المسافرين على متن اي سفينة بحرية , حيث أن التيتانك لم يكن على ظهرها قوارب الا لحوالي نصف عدد الركاب .

أرجو أن يستفيد رجل الأعمال الأسترالي المليونير ( كلايف بالمر ) من هذه النصائح خصوصا أنه في ظل التطور الهائل بعالم الاتصالات سنوفر عليه اجرة عامل الاسلكي , فالرجل عزم على بناء سفينة تكون طبق الأصل لسفينة التيتانك الغارقة بشكلاها الخارجي و عدد الركاب  فقط زيادة في التكييف و عدد قوارب النجاة , و السفينة ستبحر في يوم الأربعاء 12 / 4 / 2016 / م .

في النهاية فقد غرق حلم من أحلام الانسان , لكن هذا الانسان لم يشعر أبدا بالعجز و ها هو يواصل الحلم دون غرق .